أحمد بن محمد مسكويه الرازي

266

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

بالغضب واما بالحزن ، واما بالعشق واما بالشهوات الهائجة ، به تتغيّر صورة بدنه حتى يضطرب ويرتعد ويصفر ويحمر ويهزل ويسمن ، ويلحقها ضروب التغير المشاهدة بالحس . فيجب لذلك ان تتفقد مبدأ الأمراض إذا كانت من نفوسنا ، فإن كان مبدؤها من ذاتها كالفكر في الأشياء الرديئة واجالة الرأي فيها ، وكاستشعار الخوف ، والخوف من الأمور العارضة والمترقبة والشهوات الهائجة ، قصدنا علاجها بما يخصها وان كان مبدؤها من المزاج أو من الحواس كالخور « 1 » الذي مبدؤه ضعف حرارة القلب مع الكسل والرفاهية ، وكالعشق الذي مبدؤه النظر مع الفراغ والبطالة قصدنا أيضا علاجه بما يخص هذه . وأيضا لما كان طبّ الأبدان ينقسم بالقسمة الأولى إلى قسمين : أحدهما حفظ صحتها إذا كانت حاضرة ، والآخر ردها إليها إذا كانت غائبة ، وجب ان نقسم طب النفوس هذه القسمة بعينها فنردها إذا كانت غائبة ، ونتقدم في حفظ صحتها إذا كانت حاضرة ، فنقول : إذا كانت خيرة فاضلة تحب نيل الفضائل وتحرص على اصابتها ، وتشتاق إلى العلوم الحقيقية والمعارف الصحيحة ، فيجب على صاحبها ان يعاشر من يجانسه ويطلب من يشاكله ، ولا يأنس بغيرهم ولا يجالس سواهم ، ويحذر كل الحذر من معاشرة أهل الشر والمجون والمجاهرين بإصابة اللذات القبيحة وركوب الفواحش ، المفتخرين بها المنهمكين فيها ، ولا يصغي إلى أخبارهم مستطيبا ولا يروي اشعارهم مستحسنا ، ولا يحضر مجالسهم مبتهجا . وذلك ان حضور مجلس واحد من مجالسهم ، وسماع خبر واحد من أخبارهم يتعلق من وعره ووسخه بالنفس

--> ( 1 ) . خار ، خور ، خورا ، أي : فتر وضعف ، انكسرت قوّة المريض ، أصل الخور من الأرض إذا إرتخت من كثرة المطر فساح ترابها .